|
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك و أغنني بفضلك عمن سواك |
|
|
#1 (permalink) | |||||||
|
أبـــو غـــــــــالــــــب
|
الثلج
للكاتب القصصي... قنسطنين باوستوفسكي.....contantin paoustoufski قضى الرجل العجوز (بوتابوف) نحبه فجأة بعد نحو شهر من وصول المرأة التي استأجرت بيته وحلت فيه معه. وهكذا بقيت المرأة الشابة وحدها في البيت وليس معها إلا ابنتها الصغيرة (فاريا) والخادمة الطاعنة في السن. كان البيت الصغير المتواضع المؤلف من 3 حجرات يجثم فوق قمة رابية عند نهاية البلدة وفي أسفل الرابية يجري النهر بمياهه الباردة الخضراء وخلف هذا البيت كان شجر البستان يتعرى من أوراقه على مهل وعلى مَبْعدة منه تمتد غابة من أشجار القضبان البيضاء حيث تُرى صباح مساء قطع كالسحاب من الغربان تحوم فوق القمم الجرداء وتملأ الفضاء بنعيبها الحاد الكريه والنعيب هو نذير سوء وشؤم....... وكان يبدو مستحيلاً –بعد صخب موسكو وضوضائها- أن تعتاد (تاتيانا) مثل هذه البلدة وبيوتها العتيقة البالية بأبوابها الصغيرة ذات الصرير وعلى الأخص في الممرات الطويلة التي لا نهاية لها حتى لا يكاد المرء يسمع شيئاً غير حسيس ذبالة تحترق في مصباح البترول. وقالت في نفسها: " شد ما كنت حمقاء ! لماذا تراني غادرت موسكو والمسرح والأصدقاء كان ينبغي أن أبعث بالصغيرة إلى عمتها في مدينة (بوشكينو)فتكون ثمة في أمان وأنا أظل في موسكو ...رباه...ما أشد الحماقة التي ارتكبتها ! ". غير أن العودة على موسكو منذ اليوم الذي أتت به غدت مستحيلة. وأذعنت (تاتيانا) للأمر الواقع وقررت أن تغني للجرحى في مستشفيات البلدة وإنها لمشغلة ستنقذها من الملل. وعندما أقبل فصل الشتاء واختفت الشوارع والطرقات تحت طبقة متساوية من الثلج وجدت البلدة الصغيرة حظوة في عيني المرأة الفشابة وتتابعت الأيام من ثَّم..هادئة ...ساكنة...مربَّدة...وكيئبة بعض كآبة .......وكان النهر لمَّا يجمِّده الشتاء بعد فكانت مياهه الخضراء السريعة تعبق بأبخرة ضاربة للبياض. انتهى الأمر بالمطربة أن اعتادت البلدة والبيت الصغير الذي أصبح بيتها هي ...وفيه معزَف غير متوافق الأصوات والأنغام وعلى جدرانه صور عدة لطرادات حربية من طراز قديم وكلها غدت أشياء تؤلف جزءاً من عالمها...فيما مضى كان الرجل العجوز(بوتابوف)يعمل في آليات هذه السفن الحربية وكان وما يزال على منضدة عمله المغطاة بقطعة من النسيج الأخضر الرث نموذج مصغر للطراد (غروموبويي) الذي أدى فيه خدمته العسكرية وكان محظوراً على الصغيرة (فاريا) أن تمد يدها إلى هذه التحفة أو إلى أي شيء آخر في البيت .....كانت (تاتيانا) لا تجهل أن (بوتابوف) العجوز لديه ولداً بحاراً مجنداً في أسطول البحر الأسود وكانت صورته الموضوعة قرب نموذج الطراد تزين المنضدة هي الأخرى . وكانت المرأة الشابة كثيراً ما تحدق فيها النظر وقد تجهم وجهها قليلاً واقترن حاجباها الدقيقان من العبوس. وكان يبدو لها أنها قد رأت هذا المحيا في صباها . قبل زواجها التعيس بمدة طويلة. ولكن أين ومتى؟؟. وكان البحار هو الآخر يتطلع إليها بعينيه الوادعتين الباسمتين وكأنه يقول :" أما زلت تذكرين لقاءنا الأول ؟" وكانت (تاتيانا) تجيب : كلا... لا أذكر... وتصرخ (فاريا) الصغيرة من الحجرة المجاورة : أماه....من تراك تحادثين؟؟ وتقول الأم ضاحكة : ..أحادث المعزف... في أوائل فصل الشتاء كانت ترد إلى العجوز (بوتابوف) رسائل عديدة عناوينها جميعها مكتوبة بخط يد واحدة لا تتغير. وكانت المرأة الشابة تفحص هذا النمط بانتباه ثم تضع الرسائل بعضها فوق بعض على المنضدة. وذات ليلة استغاثت فجأة فقد كان الثلج المتراكم وراء زجاج النافذة يبرق ويضيء الحجرة. وكان القط (أرشيب) الذي آوته المرأة الشابة مراعاة لذكرى العجوز (بوتابوف) نائماً فوق الأريكة ..واخذت (تاتيانا) مِبذَلها فألقته على كتفيها وانتقلت إلى حجرة المكتب ثم اقتربت من النافذة وبغتة طار عصفور فزع عن غصن فاهتز فتساقطت عنه طبقة رخوة من الثلج دون أن تحدث أي صوت. وأضاءت (تاتيانا) شمعة وارتفع لسان النار ساكناً في جو الغرفة. وحدقت النظر طويلاً في ذلك الضوء ثم جلست وتناولت إحدى الرسائل المتراكمة وفضتها : " أبي الشيخ العزيز لقد انقضى شهر وأنا نزيل المستشفى إن الجرح الذي أصبت به ليس بذي خطر وهو يوشك أن يندمل فلا تضطرب ولا تجزع ولا تأخذ في تدخين سيكارة بعد أخرى أتوسل إليك أن تكون حكيماً..". وبعد هنيهة عادت (تاتيانا) تقرأ: " إنني أراك وأرى بلدتنا وبيتنا غير أن هذا لا يبدو بعيداً نائياً في عالم آخر وأغمض عيني فأراني داخل البستان وأنه لفصل الشتاء وكل شيء مغطى بالثلوج وأغصان الليلك تتأود تحت حملها إلا أن أحدهم قد شق طريقاً من الكشك في طرف البستان حتى مدخل البيت وهأنذا أدخل الغرف التي تزفر فيها نيران المواقد ويشيع الأريج الذكي من حطب شجر القضبان وأراك قد أصلحت المعزف فتوافقت أنفاسه وجهزت الشمعدانات وزينتها بالشمع الأصفر الذي أتيت به من (ليننغراد) وماتزال فوق المعزف لم تبارحه تلك المقطوعة الموسيقية افتتاحية (البنت البستونية) والأغنية ذاتها (في سبيل شواطئ الوطن..). وجرس الباب الصغير أتراه عاد صالحاً لم يكن في وقتي سعة لإصلاحه فهل كتب لي أن أرجع فأرى هذا كله؟ ويوم وصولي هل يسعني أن أغسل يدي بماء الأبريق الأزرق الداكن؟ ليتك تدري مبلغ الحب الذي تملكني لهذا كله من بعيد! ..حتى في احتدام المعارك لم أكف عن التفكير فيه..ولم يكن الوطن وحده الذي ادافع عنه بل كان دفاعي عن ركننا الصغير أيضاً وعنك أنت وعن بستاننا وعن صبياننا ذوي الشعر الأشعث وعن شجر القضبان في الناحية الأخرى من النهر..وعن هرنا (أرشيب) فلا تهزأ بي ولا تهز راسك ربما مُنحت إجازة قصيرة بعد خروجي من المستشفى ولكن الإجازة ليست مؤكدة قطعاً والأجدر ألا تعول عليها كثيراً..". بقيت (تاتيانا) طويلاً دون حراك مفتوحة العينين على وسعهما محدقة إلى النافذة والبستان الهادئ والسماء الزرقاء المعتمة التي اخذت تشف وتشحب مع طلوع الفجر ..كانت تفكر في ذلك الرجل المجهول الرجل الوادع المقدام القوي الرجولة الذي سيأتي على حين غرة فيؤلمه أن يجد الغرباء في بيته ولا يقع على ما يحب من أشيائه. وفي الغداة طلبت من الصغيرة (فاريا) أن تشق طريقاً في الثلج تؤدي إلى الكشك القائم على حافة مجرى السيل ..والكشك بنية صغيرة متهدمة ذات أعمدة من خشب طغت عليها الطحالب فبدت بالية ربداء من القدم..ثم أخذت على نفسها إصلاح الجرس الصغير المعلق على المدخل والمزدان بهذه العبارة المنقوشة: "أنا معلق على الباب...فاجذب بقوة ". وما إن تم إصلاحه حتى أرسل رنينه البلوري بلمسة يسيرة فاقام الهر (ارشيب) أذنيه وغادر الحجرة بوقار مغيظاً ولا ريب بسبب هذا الرنين الذي بدا له وقحاً وسفيهاً ....وفيما بعد في أثناء النهار نفسه عادت (تاتيانا) من السوق مكفهرة العينين من الانفعالمحمرة الخدين ومعها رجل يصلح المعازف وغيرها من الآلات الموسيقية كما يصلح الدمى والمصابيح ومواقد الطبخ..وقد أعلن أن المعزف وإن كان عتيقاً فهو ما يزال صالحاً وهذا ما كانت المرأة الشابة تعلمه من قبل وبحثت في أحد الأدراج فوجدت شموعاً على شكل أعمدة مجدولة..ولما حل المساء وضعت في شمعداني المعزف اثنتين من هاتيك الشموع و أشعلتهما وانحنت على مضارب المعزف ومستها بأناملها فامتلأ البيت الصغير ألحاناً ... وحينئذٍ نفذ صبر الصغير (فاريا) وقالت غاضبة : لماذا تراك تلمسين كل شيء؟ إنك لا تحبين هذا لي...أما أنت فتمسين هذه الأشياء جميعها .. من شمع وجرس ومعزف ..ثم إنك تعزفين ألحاناً ليست لك. فأجابت المرأة الشابة ضاحكة: أستطيع أن ألمس كل شيء لأنني كبيرة. غير أن (فاريا) التي كانت تتفرس في وجه أمها مستريبة عبست بحاجبيها الأشقرين .زأن أمها في هذه اللحظة لم يكن ليبدو عليها شيء يدل على أنها شخص كبير ..وإنما هي أشبه بفتاة صغيرة زاهية الشعر قد أضاعت في قصر كبير حذاءها المصنوع من الفراء الناصع المزدان بنقط زرق... كان الضابط (نقولا بوتابوف) ما يزال يحسب في القطار الذي أقلّه مدة إجازته فيجد الوقت الذي تستغرقه رحلته يمتص أكبر قسط من هذه الإجازة وأنه لن يستطيع أن يمضي مع والده أكثر من 24 ساعة ... ووصل القطار إلى البلدة في أوائل العصر واقترب مدير المحطة من الضابط الشاب - وهو صديق قديم لوالده - ثم ذهب به إلى مكتبه حيث أنبأه دون مواربة أن والده قد توفى قبل شهر مضى وبأن بيته تحتله الآن مطربة جاءت من موسكو مع ابنتها الصغيرة . وقال موضحاً : أنهما من اللاجئين... ولزم (نقولا بوتابوف) الصمت وهو يحدق النظر إلى النافذة التي رأى من خلالها مجموعة من المسافرين يتراكضون وبين أيديهم آنياتهم يريدون أن يملأوها بالماء الساخن وقد لبسوا أردية من الفراء وانتعلوا أحذية من لباد ..وأحس بقلبه يخفق بطيئاً وبرأسه يدور...وهمس مدير المحطة : أجل ياله من مصاب ...لقد كان رجلاً طيباً ولم يسعفه الحظ أن يراك.. وقال الضابط : متى يكون ثمة قطار للعودة ؟؟ أجابه المدير: في الخامسة صباحاً. وبعد لحظة من الحرج أضاف المدير : ما عليك إلا أن تبقى هنا وستتولى امراتي إحضار الشاي الطعام لك...فما ضرورة ذهابك إلى البيت... وتمتم نقولا: أشكرك.. وخرج ناسياً حقيبته في مكتب مدير المحطة وشاهده المدير يبتعد فهز رأسه وقطع الضابط البلدة المكسوة بالثلج ثم توقف عند ضفة النهر الذي تعلوه سماء مُسفّة محزنة....وكان الثلج يتساقط وئيداً منحرفاً فيما بين السماء والأرض ...والغربان تتخطر على الطريق بوقار والريح القارسة التي تهب من الضفة المقابلة أخذت تشتد وتضاعف من قوة هبوبها فتمتلئ العيون دموعاً ....وقال الضابط يخاطب نفسه : هذه هو الواقع لقد وصلت متأخراً جداً ..وأصبح كل شيء غريباً في نظري البلدة والنهر والبيت.... سار الضابط رغماً عنه في ذلك الاتجاه إلا انه كان قد قرر أن لا يدخل إلى البيت وما كان ليريد إلا أن يسير محاذياً للسياج ويخطو بضع خطوات في البستان ويشاهد الكشك العتيق وكان التفكير بأن الأشخاص الغرباء المجهولين غير العابئين يقيمون فيه لا يطاق أبداًُ ..ولماذا يتألم ؟؟وأنه ليؤثر أن لايرى شيئاً ..وأن يعود أسرع ما تكون العودة..ويحاول أن ينسى. وقال مخاطباً نفسه : أجل هكذا تتولى الحياة قطع كل سبب لك بالماضي وتكسبك نضج ..وهذه النظرة الصارمة الباردة ..نظرة من كبروا وجربوا..... وكان الغسق قد تكاثف وتلبد عندما بلغ البيت فدفع الباب الصغير المكسو بحلة بيضاء وتهاوت من أعراف الشجر طبقات من الثلج بصوت خافت وتقدم هو بحذر ودخل الكشك ووضع يديه على حواجزه البالية ومن بعيد من وراء الغاب كانت السماء تتورد بغموض مستضيئة ولاريب بأشعة القمر الطالع من الغيوم وقد استنشق الهواء البارد بعمق وحسر عن رأسه وأدخل يديه في شعره وكان الصمت تاماً ولا يتأدى من أسفل غير طنين الدلاء التي تأتي بها النساء لتملأنها من ماء النهر من خلال فرجة احتفرنها في الجليد ...واتكأ على الحاجز واحتوى رأسه بين راحتيه وتمتم :....أممكن هذا؟؟... في هذه اللحظة امتدت يد فمست كتفه برفق فالتفت فرأى وجهاً شاحباً صارماً هو وجه امرأة شابة وقد لفت رأسها بمنديل ناعم وتطلعت إليه بصمت وكان نديف من الثلج يذوب على مهل فوق خديها وقالت بصوت خفيض : " غط رأسك وإلا أصبت بالبرد وتعال إلى البيت.." ......فتوقف لا يستطيع أن يتقدم أو يتنفس وقد ضغط الألم على حلقه . وقالت المرأة الشابة برفق : "ليس هذا بذي بال وسرعان ما يزول وعلى الأخص لا تشغل نفسك بي..." ونفضت بقدميها حذاءها المصنوع من اللباد لكي تزيل الثلج عنه وعلى الفور وبمثابة استجابة لنداء رن الجرس بفرح في مدخل البيت وأغمض عينيه زاستنشق الهواء ملء رئتيه ودخل البيت وهو يتمتم بكلمات مضطربة ثم نضا معطفه وتلبث مبهوتاً أذهله الأرج الخفيف المنبعث من حطب شجر القضبان المحترق ..وثمة فتاة صغيرة مضفورة الشعر تتأمل باهتمام النجوم الذهبية فوق كم الضابط لا وجهه وعادت (تاتيانا) تقول : ..تعال.. وذهبت إلى المطبخ حيث كان في انتظاره إبريق داكن الزرقة وقد امتلأ بالماء المنعش ومنشفة مطرزة بأوراق شجر السنديان يعرفها الضابط حق المعرفة ... وتركته المرأة الشابة وحده ولكن الفتاة الصغيرة ما لبثت أن أتت راكضة معها قطعة من الصابون وشاهدت (نقولا بوتابوف) يخلع سترته ويغسل وجهه ويديه... وسأل الفتاة الصغيرة وقد احمر وجهه قليلاً : أخبريني من هي أمك؟؟ وكان حرجه لم ينقض بعد وهو لم يوجه سؤاله للفتاة إلا ليقول شيئاً ما ........وقالت الصغيرة هامسة كأن فيما تقول سراً خفياً : ....إنها تحسب نفسها شخصاً كبيراً ولكن هذا غير صحيح إنما هي صغيرة وأصغر مني أنا.... قال نقولا : ولم ؟ إلا أن الفتاة انطلقت ماضية وهي تضحك. ....ولم يستطع الضابط طيلة السهرة أن يتخلص من الإحساس بأنه يعيش في حلم تبطنه الذكريات الخفيفة المتكاثفة مع ذلك.....وكان كل شيء في البيت يرسل أنساماً من الماضي ومن طفولته الذاهبة ابتداءً من المقطوعات الموسيقية المبعثرة فوق المعزف والشموع المجدولة تشع وهي تحترق وتذوب نوراً واهناً في غرفة المكتب الصغيرة حتى كوم رسائله التي كانت موضوعة تحت علبة البركار حيث اعتاد والده دائماً أن يضعها .... وبعد أن شرب الشاي رافقته (تاتيانا) إلى قبر والده المحفور عند طرف الغابة وكان القمر قد طلع تماماً وأحاط به هالة وكانت أشجار القضبان تلقي بظلالها الخفيفة فوق الثلج الضارب إلى الزرقة .....وفيما بعد في أثناء السهرة وبينما كانت المراة الشابة تلمس برفق أصابع المعزف التفت إليه وقالت : غريب يخيل إلي أنه سبق والتقيت بك.... وقال هو : ربما... وظلت عينيه عالقتان بوجه (تاتيانا) الذي كان يضيء جانباً من النور المنبعث من الشموع ثم نهض وخطا بضع خطوات في الحجرة ثم وقف قبالتها وقال بصوت خفيض : كلا إن الذكرى تتأبى عليّ... فألقت إليه نظرة خاطفة ولم تجب بشيء ولما اضجع الضابط نقولا في السرير الذي وضع له في حجرة المكتب لم يجد إلى النوم سبيلاً ..كانت تبدو ثمينة كل لحظة تمضي في هذا البيت وتطيل مدة حلمه الذي استغرقه استغراقاً وكان هو لايريد أن يفقد أياً منها ..وراح وهو مضجع يصغي إلى تنقل الهر (أرشيب) وخطاه الخفية المنسرقة ويلقي بسمعه إلى حركة ساعة الحائط وإلى الهمس الذي يأتي من الغرفة المجاورة فيخيل إليه أنه صوت (تاتيانا) تتحدث إلى الخادمة العجوز ...ثم سكتت الأصوات ولا شك أن الخادمة قد ذهبت إلا أنه استمر يرى شعاعاً ينبعث من تحت الباب ويسمع دعك صفحات كتاب كانت تقلبها يد لا يراها ..ولا ريب أنها هي الأخرى لم تنم خشية أن يفوتها إيقاظه في الوقت المناسب لموعد قيام القطار وكان هو الآخر يتهالك رغبة في مناداتها ليقول لها أنه هو الآخر لم ينم إلا أنه لم يجرؤ على رفع صوته.... ولما حانت الساعة الرابعة صباحاً فتحت (تاتيانا) الباب قليلاً ونادت بصوت خافت فتظاهر بأنه استفاق وسمعها تقول : لقد حان الوقت وآن لك أن تنهض ومن المؤسف أن لاأدعك مستغرقاً في نومك... ورافقته إلى المحطة والظلام ما زال يلف البلدة كلها وكان الثلج لا ينفك يتهاوى على شكل قطع كبيرة وتبادلا كلمة الوداع بعد القرعة الثانية من جرس المحطة . وقالت المرأة الشابة وهي تمد يديها الاثنتين : ستكتب لي...فبيننا الآن ما يشبه أن يكون علاقة من قربي ...أليس كذلك ؟ وكان جوابه أن حنى لها رأسه. وبعد أيام تلقت (تاتيانا) رسالة من الضابط قال فيها : " إنني أتذكر لقاءنا الأول بوضوح إلا أنني هناك في البيت لم أر أن أحدثك به...أتراك تذكرين (القرم) من سنوات خلت كان الفصل خريفاً آنذاك وكان البحر شاحباً والسماء غائمة وكان شجر (الدلب) يجف بطريق (أورياندا) التي كنت أسير فيها متسكعاً وشاهدت فيها فتاة بل بنية جالسة على مقعد قائم عند حافة الطريق ..كانت الفتاة في السادسة عشر من عمرها على الأكثر ولقد نهضت وسارت باتجاهي ولما تلاقينا نظرت إليها وكانت هي تسير بخطى خفيفة نشيطة وبيدها كتاب مفتوح وتلبثت لا آتي بحركة وأنا أتبعها بنظري وقد كنت أنت تلك الفتاة... إنني أعي هذا تماماً الآن ..ولا يمكن أن أخطئ وكنت أنظر إليك وقد ابتردت أطرافي من الانفعال وأحسست أنك أنت تلك التي كان لابد أن ألتقي بها ...المرأة التي يتقبل الإنسان منها ويبارك كل كلمة وكل حركة وكل ابتسامة تلك التي يمكن أن تهبك السعادة أو أن تكون سبب هلاكك وضياعك ..وكنت أدرك أنه يجب أن أستبقيك مهما يكن الثمن غير أن قوة غريبة حالت بيني وبين أي حركة وهكذا فقدتك أول مرة.....ومنذ ذلك اليوم غدوت أحب (القرم) وأحب تلك الطريق الضيقة التي لمحتك فيها هنيهة ثم تركتك تفلتين مني غير أن الحياة كانت رحيمة بي : فقد عدت ووجدتك ثانية في مصادفة من أعجب المصادفات وإذا كان كل شيء سينتهي على أحسن ما أروم فما عليك إلا أن تبدي إشارة واحدة فأهرع إليك وبهذه المناسبة فقد وجدت على منضدة أبي رسالتي التي فتحتها يدك ففهمت كل ما فعلته من أجلي ...ولا يسعني إلا أن أشكرك من بعيد...." ووضعت (تاتيانا) الرسالة وانتقلت نظرتها وقد سبحت فيها عبرة من الثائر إلى البستان الذي كساه الثلج وفكرت : " رباه ! لم أكن قط في (القرم) ولكن أية أهمية يمكن أن تكون لهذا ؟ وما جدوى أن أذهب عنه وهمه ؟ وما جدوى ان أزيل وهمي أنا ؟..." وضحكت ثم أخفت فجأة وبتوقر عينيها براحة يدها ..وكانت ؟أشعة الشمس الغاربة تسطع في النافذة سطوعاً متصلاً لا يريد أن ينطفئ. :: تحياتي الدافئة للجميع |
|||||||
|
|
|
#2 (permalink) | ||||||||
|
مبدع فعال
|
هي القصة طويلة بس حلوة بنهايتها
شكرا على سرد القصة هايدي |
||||||||
|
|
|
#3 (permalink) | |||||||
|
أبـــو غـــــــــالــــــب
|
هلا فيك شكراً لمرورك وقراءتك للقصة
|
|||||||
|
|
|
#4 (permalink) | |||||||
|
مبدع على كيفك
|
شكرا هايدي ع القصة الرائعة
و الحكمة الي فيها تقبلي مروري |
|||||||
|
|
|
#5 (permalink) | |||||||
|
أبـــو غـــــــــالــــــب
|
شكراً للمرور هلا فيك يا اعذب نسمة
|
|||||||
|
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| تلج....تلج |
|
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|